تعريفه : ألمَ ٌيجده الإنسان في نفسه.
سبب الألم: رؤية بعض النعم على أشخاص آخرين.
كيف يزول ألم الحاسد؟ أن تزول النعمة فيستريح هو.. وإلا .. فقد يجد في قلبه بغضًا وحقدًا يتعدى به على المحسود بعينه أو بلسانه أو بخذلانه أو بعمله. وقد يصل للكفر (كاليهود مع رسول الله) أو القتل (كابن آدم مع أخيه).
ويبقى الألم مشتعلاً في نفس الحاسد حتى ينشغل عن نعم ربه عليه.
رأينا إبليس يعصي أول معصية وهي الكبر بأول سبب هو الحسد .. فيكفر بربه.
ورأينا اليهود كفروا: ﴿ حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم.. ﴾ (1).
ورأينا من يقع في غيره، وغيره لم يفعل له ما يقتضي وقوعه فيه أو بغضه له سوى حسده إياه .. وما للآخر ذنب سوى أن الله أنعم عليه.
ورأينا من يتمنى سقوط غيره أو ألمه .. أو تدميره. بل قد يسعى إلى هذا. ورأينا من يخذل غيره في وقت يحتاج فيه للذب عن عرضه .. أو يعتدي عليه بنفس هذا الدافع الخبيث.
وإن دق .. فشيء من هذا في نفوس الناس .. والمثل العربي: (ما خلا جسد من حسد).
والكثير يخشى من أن يُحسد .. لكن ليس بنفس الدرجة يخشى أن يَحسد غيره فيهلك بآفة ترديه.
* * *
والخطأ في البداية .. من النظر إلى الغيْر .. هنا تجب المعالجة .. من هذه اللحظة منعًا لما بعدها.
وإنكار كل منا أن أي شيء من هذا ليس في نفسه .. نحن نرجوا أن نكون هكذا ـ لكن: (ما خلا جسد من حسد) كما أشار ابن الجوزي.
يقول ابن الجوزي: «فصل: الحسد طبيعة في الإنسان فقومها.
رأيت الناس يذمون الحاسد ويبالغون ويقولون: لا يحسد إلا شرير يعادي نعمة الله ولا يرضى بقضائه ويبخل على أخيه المسلم.
فنظرت في هذا فما رأيته كما يقولون، وذاك أن الإنسان لا يحب أن يرتفع عليه أحد فإذا رأى صديقه قد علا عليه تأثر هو ولم يحب أن يرتفع عليه، وود لو لم ينل صديقه ما ينال أو أن ينال هو ما نال ذاك لئلا يرتفع عليه، وهذا معجون في الطين ولا لوم على ذلك، إنما اللوم أن يعمل بمقتضاه من قول أو فعل.
وكنت أظن أن هذا قد وقع لي عن سري وفحصي فرأيت الحديث عن الحسن البصري قد سبقني إليه.
قال: أخبرنا عبد الخالق بن عبد الصمد قال: أخبرنا ابن النقود قال: أخبرنا المخلص قال: حدثنا البغوي قال: حدثنا أبو روح قال: حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن الحسن قال: ليس من ولد آدم إلا وقد خلق معه الحسد!! فمن لم يجاوز ذلك بقول ولا بفعل لم يتبعه شيء!!» (2).
والعلاج هنا في كتاب رب العالمين. وهو النظر إلى عدة آيات:
أولاً: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾، فالآية تنص على أن القسمة مقصودة، وأن رفع الناس درجات وتفاوتهم في هذا مقصود رباني بحكمة بالغة يستحق عليها الحمد ممن رفعه وممن لم يرفع فهو: (حكيم حميد) (3)، فيجب أن يشكر كل منهما ربه ويحمده مع حاله الذي هو فيه.
ثم أعقبها تعالى ببيان هوان الدنيا كلها وهوان الأمر كله فقال: ﴿ وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (4).
ومعنى الآيات أن من هوان الدنيا على الله تعالى أنه لولا أن يُجمع الناس كلهم على الكفر لجعلنا لمن يكفر بيوتًا لها سقف ومعارج "سلالم" من فضة ومن ذهب، فإنها كلها لا تساوي شيئًا .. وهذا العطاء في ميزان الله تعالى ليس بشيء.
إذن فالقسمة مقصودة وعلى العبد أن يقبل قسمة رب العالمين واثقًا فيه، محسنًا للظن به، مطمئنًا لحكمته، حامدًا إياه على ما أعطى وعلى ما منع، ففي المنع من النعم ما لا يعلمه العبد، بل يعلمه الله تعالى له، كمن يمنعه الله تعالى إبعادًا له عن معصيته، ومن هنا قال بعض السلف: (إن من العصمة ألا تَقْدر).
ونفس المعنى في قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (5).. فالعطاء والمنع أيضًا مقصود،والقسمة ربانية، ورفع الدرجات في المال أو الجمال أو الصحة أو العافية أو العلم أو العقل أو الذكاء أو الشهرة أو المساكن أو الزيجات أو الأولاد .. كل هذا مقصود لحكمة يُحمد ربنا عليها .. يجب أن يحمده عليها من أُعطي ومن مُنع .. ولا يعلم الخلق مرامي حكمة الله تعالى .. لكن في آية الزخرف الأولى أن من حكمة هذه القسمة أن يكون بعضهم لبعض سُخريًا .. لتقوم الحياة.
يقول النسفي: «﴿ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ ﴾ فيه استهانة به ﴿ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾أي: رجل عظيم من إحدى القريتين كقوله: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ﴾ أي: من أحدهما،والقريتان مكة والطائف، وعنوا بعظيم مكة الوليد بن المغيرة وبعظيم الطائف عروة بن مسعود الثقفي، وأرادوا بالعظيم من كان ذا مال وذا جاه ولم يعرفوا أن العظيم من كان عند الله عظيمًا.
﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ﴾ أي: النبوة، الهمزة للإنكار المستقل بالتجهيل والتعجيب من تحكمهم في اختيار من يصلح للنبوة ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ ﴾, ما يعيشون به وهو أرزاقهم في الحياة الدنيا، أي: لم نجعل قسمة الأدْوَن إليهم وهو الرزق فكيف النبوة، أو كما فضلت البعض على البعض في الرزق فكذا أخص بالنبوة من أشاء, ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ أي: جعلنا البعض أقوياء وأغنياء وموالى والبعض ضعفاء وفقراء وخدماء ﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ليصرف بعضهم بعضًا في حوائجهم ويستخدموهم في مهنهم ويتسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويصلوا إلى منافعهم هذا بماله وهذا بأعماله ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ ﴾ أي: النبوة أو دين الله وما يتبعه من الفوز في المآب ﴿ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ مما يجمع هؤلاء من حطام الدنيا، ولما قلل أمر الدنيا وصغرها أردفه بما يقرر قلة الدنيا عنده فقال: ﴿ وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ولولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر ويطبقوا عليه ﴿ لَجَعَلْنَا ﴾ لحقارة الدنيا عندنا ﴿ لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ . وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ. وَزُخْرُفاً ﴾ أي: لجعلنا للكفار سقوفًا ومصاعد وأبوابًا وسررًا كلها من فضة وجعلنا لهم زخرفًا أي: زينة من كل شيء، والزخرف الذهب والزينة، ويجوز أن يكون الأصل سقفًا من فضة وزخرف أي: بعضها من فضة وبعضها من ذهب» (6).
وأما في آية الأنعام: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ﴾ ففيها زيادة: أن هذا للاختبار .. اختبار من؟ اختبار من أُعطي بما أُعطي، واختبار من مُنع بمنعه عنه، واختبار لمن رفع برفعه، والآخر بحجبه عنه.
يقول تعالى حاكيًا عن سليمان u مقررًا أن العطاء للابتلاء: ﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ (7).
﴿ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (8).
بل وأكثر من هذا أن العبد المعطَى مختبر بما أعطي لينظر فيه أيشكر أم يكفر، ويختبر بمنع غيره لينظر إليه أيحتقر ويزدري ويستكبر؟ أم يتواضع ويشكر ويعلم أنه هو مختبر بالعطاء وغيره بالمنع وكلاهما سيسأل يوم القيامة وليس في هذا إكرام ولا في ذاك إهانة ﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ (9).
ويختبر من منع ـ أي: شيء مما قلنا ـ بمنعه ليصبر ويحسن الظن بربه ويرجوه ويثق فيه ويضرع إليه ويفرغ باله وهمه لربه ـ حتى لكأن المنع عطاء آخر له ـ هذا جزء من الاختبار. ويختبر كذلك بعطاء غيره لينظر إليه أيحقد عليه ويحسده ويغار أم يرضى بقسمة الله ويدعو لأخيه. كل هذا هو جزء من معنى قوله تعالى في الآية الجامعة: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ؟وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ (10)، وقد جاءت الآية عقب طلبهم الجنات في الأرض تكبرًا وسخرية من رسول الله وبشريته .
فأنت مختبر بعطائك وحرمان غيرك.
وبحرمانك وعطاء غيرك.
وليكتمل المعنى انظر إلى قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾ (11)، فإن ما خُلقنا له هو التعبد وإقامة الأمر الشرعي كل بحسبه، وكل في مكانه وكل بحسب ما أعطي، ويجب أن يكون هذا هو همك.
قال أبو نعيم: «حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا أحمد بن يوسف بن الضحاك ثنا يوسف بن مصرف ثنا زيد بن الحباب عن جنيد بن العلاء بن أبي وهرة عن محمد بن سعيد عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله r: «تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله تعالى له أموره وجعل غناه في قلبه، وما أقبل عبد بقلبه إلى الله تعالى إلا جعل الله عز وجل قلوب المؤمنين تفد عليه بالود والرحمة وكان الله إليه بكل خير أسرع» (12).
وعن أبي هريرة t قال: «تلا رسول الله r: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ ..﴾ قال: يقول الله ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك وإلا تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك» (13).
وهذا هو معنى التفرغ أو بعض معانيه. فتخرج في النهاية بنتيجة مؤداها (أنه مطلوب منك أن تتعبد لله بما أعطيت) وغيرك متعبد بما أعطي .. فالمهم أن نقوم بما أُمِرْنا بحسب الحال الذي نحن عليه؛ فالصبر خطاب لمن منع عن شيء .. مع الشكر لما أعطي. والشكر خطاب لمن أعطي .. مع الصبر لما حجب عنه ومع الصبر أيضًا على ما أعطي.
والقضية كلها اختبار للتعبد فقط .. حتى الموت.
فليس في الدنيا عطاء أو جزاء توفية ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ .. فلا يخلو أيعطاء في الدنيا أبدًا من الاختبار كما أنه ليس في الدنيا تمام العقوبة.
فانظر إلى سليمان ماذا قال لما وجد عرش بلقيس أمامه في أقل من طرفة عين: ﴿ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾.
هذا هو العلم وهذا هو القلب العابد.
ولما سمع وفهم ـ وكلاهما معجزة ـ كلام ولغة نملة تضرع لربه تعالى: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾.
هذا هو العلم والتعبد .. ومن هنا جاءت كلمة عمر بن الخطاب t عندما قال: (الغنى والفقر مطيتان لا أبالي أيهما ركبت) ففهمه من هذا، أنه مُتعبَد إما بالغنى (والعطاء عمومًا من علم أو ذكاء أو قوة أو صحة أو جمال أو مسكن أو وجاهة ومحبة في قلوب الخلق أو ..) فله عبودية من الشكر والثناء على الله وصرفه في أوجهه وعدم احتقار الآخرين وتجنب الكبر والازدراء وتجنب الترف المُنسي .. ومُتعبَد بالأخذ بنية صالحة وأن يكون المال عونًا على الطاعة وفي هذا جاء الحديث:
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن ثنا موسى بن علي عن أبيه قال سمعت عمرو بن العاص يقول بعث إليّ رسول الله r فقال: خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني فأتيته وهو يتوضأ فصعّد في النظر ثم طأطأه فقال: «إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة. قال: قلت: يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام وأن أكون مع رسول الله r. فقال يا عمرو: نعم المال الصالح للمرء الصالح» (14).
وفي الفقر (والحرمان عمومًا من أي شيء) يخاطب بالصبر والتعفف وحسن الظن بالله والثقة فيه والاستغناء به والتفرغ لربه وانتظار الفرج ..كذلك بقية النعم على نفس المنوال.
فإنما نكتة الأمر وزبدته أنما هو سير إلى الله .. وبحسب المطية التي يختارها الله لك تكون المهمة المطلوبة، وفي النهاية: عطاء الدنيا ومتعها ليس بشيء .. وكذلك المنع.
قال الإمام مسلم: حدثنا عمرو الناقد حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله r: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة (15) ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط» (16).
فلم يَر من أُعطى الدنيا كلها أنه أعطي شيء لمّا لقى رب العالمين وذاق عذاب عمله، ولم يَر من حُرم من الدنيا أعظم الحرمان الدنيوي أنه قد حرم شيئًا لمّا لقى الله تعالى وذاق طعم مثوبته.
وأخيرًا آية القصص: â وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ﴾، وفيها وجهان:
الأول: أن ﴿ مَا ﴾ نافية ولذا فالوقف على قوله تعالى: ﴿ وَيَخْتَارُ ﴾ وقف لازم. ويكون معنى الخيرة من الاختيار.
ويكون معنى الآية أن الله له الخلق وله الاختيار المطلق فيصطفي من يشاء للرسالة وليس لهم الاختيار لمن يكون رسولاً كما قالوا: ﴿ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾.
الثاني: أما على الوجه الآخر فـ ﴿ مَا ﴾ موصولة بمعنى (الذي) وتكون جملة واحدة بلا وقف فتكون ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ﴾
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ